بقلم/ محمد العيسوي
تستمر جائزة كتارا للرواية العربية في دوراتها المتعاقبة (الدورة الثانية عشرة - 2026) في تقديم المشهد السردي العربي ليس فقط بوصفه سباقا لتتويج النصوص ومبدعيها بل باعتباره ترمومترا يقيس حرارة الكتابة العربية، ويتتبع تحولات الذائقة، وروافد التجديد في الرواية والنقد.
إن وصول الأعمال المتنافسة إلى قوائم الـ 9 (القوائم المصغرة) عبر خمس فئات رئيسية هي (الروايات المنشورة، الروايات غير المنشورة، الروايات التاريخية، روايات الفتيان، والدراسات النقدية) يعكس مرحلة غربلة نقدية دقيقة، استطاعت أن تعزل الغث عن السمين وتبرز نصوصاً ذات ثقل جمالي وفكري.
قراءة بالأرقام ومحاصصة جغرافية عند رصد التوزيع الجغرافي للكتاب الذين وصلوا إلى القوائم التسع في الفئات الخمس يصل اجمالي الروايات المشاركة الى 45 عملا مرشحا، وبقراءة متأنية ستجد مرونة في المشهد الأدبي العربي وزخم يمتد من الخليج إلى المحيط.
فتجد ان مصر حضرت في القوائم الخمس من خلال المركز الأول بـ 15 رواية في جميع فئات الرواية، ثم تليها الجزائر والمغرب في المركز الثاني حيث تتشاركان بـ 6 روايات، ثم اليمن بـ 4 تليها الأردن وفلسطين بـ 3 روايات، ثم تأتي تونس في المركز الخامس بالمشاركة مع سوريا والسعودية والسودان بروايتين لكل منهم.
ومن خلال هذه القراءة تجد أن مصر تستحوذ على ثلث القوائم تقريبا من خلال 15 عملا من أصل 45، وتأتي هيمنتها في فئة الروايات التاريخية بـ 5 أعمال من أصل 9، ويرجع ذلك إلى ولع المخيلة السردية المصرية بالنبش في الذاكرة الحضارية والاجتماعية والتاريخية من عصر الفراعنة إلى مصر الحديثة وصولا الى منتصف القرن العشرين، أضف الى ذلك حضورها المتوازن في كافة الفئات الأخرى.
ويظهر التوزيع تكاملا مغاربيا لافتا إذ يكرس المغرب موقعه كعاصمة مدرسة النقد الأدبي المعاصر في الوطن العربي بحصده 3 مقاعد في فئة الدراسات النقدية، بينما تبدي الجزائر اهتماما استثنائيا ولافتا بـ رواية الفتيان 3 أعمال من أصل 9، مما يشير إلى وجود مشروع ثقافي جزائري واعد يراهن على بناء مخيلة أجيال المستقبل.
ثم نأتي لبعد اخر من الوجع الإنساني والتأطير الجمالي فيسجل اليمن حضورا استثنائيا ونوعيا باختراقه لـ 4 فئات مختلفة بـ عمل واحد في كل فئة، وهو دليل على أن المحن والتحولات الكبرى تشكل دائما وقودا للإبداع الصلب. وفي ذات السياق، تجيء فلسطين بتمثيل قوي في فئة غير المنشورة وفئة النقد، ليظل النص الفلسطيني يقاوم عبر الشتات والداخل باصرار الجمال والذاكرة.
ثم نأتي لملخص الاتجاهات الفكرية والفنية في القوائم الخمس حيث نجد أن فئة الدراسات النقدية اتسمت بالشواهد والمشاريع النقدية المواكبة بحداثة المنهجية حيث حضرت موضوعات الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والدراسات الإيكولوجية (البيئية)، ومسائل الاستشراق، مما يدل على أن الناقد العربي لم يعد معزولا عن التحولات الفلسفية العالمية.
كما أن فئة الروايات التاريخية انشغلت النصوص فيها باعادة صياغة الهامش والمسكوت عنه، والانتقال من التاريخ للسلطة إلى التأريخ للإنسان والمجتمع وحدود الجوع والحروب.
أما فئة روايات الفتيان فمعظم النصوص تبتعد عن المباشرة والوعظ وتتجه نحو العوالم الفانتازية والرمزية والرحلات التي تبني وعي الطفل والعصامية لديه.
وفي فئة الروايات المنشورة وغير المنشورة فقد تراوحت بين السرد الذاتي، والاشتباك مع الواقع الراهن، وتفكيك الأسئلة الوجودية والاجتماعية بأساليب سردية تجريبية متجددة.
في الختام يجب الاعتراف إن وصول جائزة كتارا للرواية العربية في دورة 2026 إلى هذه المرحلة الهامة والناضجة، مع تنوع الأسماء بين القامات الكبيرة والشباب، يؤكد أن الجائزة أصبحت مرآة حقيقية للمنجز الروائي العربي. وإن قائمة الـ 9 بكافة فئاتها تؤكد أن الرواية العربية ما زالت بخير، وأنها أداة الأمة الأبرز لتدوين أحلامها وأوجاعها وإعادة اكتشاف ذاتها.
مع خالص الشكر والتقدير للقائمين على هذه الجائزة وعلى رأسهم المهندس خالد السيد مدير إدارة الفعاليات الثقافية بالمؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا.

.jpeg)




















