منذ 54 دقيقة 0 9 0
سمية مدغري علوي تكتب.. "أشباح الأرصفة": حين يختار الطفل الصمت هرباً من جحيم الأسرة
سمية مدغري علوي تكتب..
سمية مدغري علوي تكتب..

جلس وحده على رصيف مهجور، متدثرًا بملابس رثة تروي وحدها قسوة الشارع، بينما كانت ظلال البيوت القديمة تحاصره. اقتربنا منه بحذر، محاولين كسر طوق الخوف المحيط به، طفل لم يشأ أن يفصح عن اسمه... و لا عن عمره، بل اكتفى بنظرة حانية مليئة بالوجع، والتزم صمتًا ، وكأن هذا الصمت كان صرخة مدوية تفضح حقيقة مرة: ، سلبت الظروف الأسرية هويته، ودفعته قسوة الحياة إلى أرصفة التسول والتشرد، هاربًا من جحيم كان من المفترض أن يكون دافئًا.

حين يتحول "حضن الأسرة" إلى باب الشارع،

فليس غريباً أن نرى أطفالاً يمدون أيديهم لطلب المساعدة في الشوارع وإشارات المرور، لكن الغريب و المفجع حقاً هو أن خلف كل طفل قصة لجوء قسري إلى الشارع، تبدأ غالباً من داخل المنزل. فبدلاً من أن تكون الأسرة الحصن المنيع و الملاذ الآمن للطفل، تحولت في كثير من الحالات إلى "السبب المباشر" للتشرد.

تشير المعطيات الاجتماعية إلى أن التفكك الأسري وحالات الطلاق المهملة، فضلاً عن العنف المنزلي المستمر، تشكل الوقود الحقيقي الذي يدفع الصغار نحو الهاوية. أطفال هربوا من جحيم الضرب و الإهانة، أو أطفال وجدوا أنفسهم مجبرين من قبل عائلاتهم تحت ضغط الفقر المدقع أو استغلال الكبار، على ترك مقاعد الدراسة و حمل عبء التسول كمصدر وحيد لشبه "لقمة عيش".

و في هذا السياق، يوضح المختصون النفسيون و الاجتماعيون أن الطفل الذي يفقد الأمان داخل بيته يفقد ثقته بالعالم بأسره، و يصبح صيداً سهلاً لواقع مرير يسرق طفولته و يجره إلى أرصفة الضياع.

وفي خضم هذا الواقع القاسي، يبرز المشهد الأكثر مرارة وقسوة؛ فبينما يمد يده بانتظار عطف المارة، تقع عيناه فجأة على أطفال في عمره، يرتدون زيهم المدرسي النظيف، و يحملون حقائبهم المدرسية و هم يتقافزون فرحاً. يراقبهم بصمت مطبق، و دموع خفية تحبسها عيناه الصغيرتان، متسائلاً في قرارة نفسه: "لماذا أُخرجتُ من حضن العائلة لأواجه الشارع وحدي؟" إنه تباين قاسٍ يختزل جرح الطفولة المسلوبة، و يضع المجتمع بأسره أمام مرآة مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية.

إن ترك هؤلاء الأطفال عرضة لمخاطر الشارع و التسول لا يمثل فقط مأساة إنسانية فردية، بل هو انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية وقوانين حماية الطفولة التي تجرم الإهمال الأسري و تضمن حق الطفل في التعليم و الرعاية، وهنا يبرز السؤال الملح: أين دور المؤسسات الاجتماعية و التشريعات القانونية في محاسبة كل من يتخلى عن مسؤوليته تجاه صغاره؟

إن معالجة ظاهرة "أطفال الأرصفة" تتطلب مقاربة شاملة تبدأ بتفعيل شبكات الأمان الاجتماعي و دعم الأسر الفقيرة لضمان عدم اضطرار أطفالها للعمل أو التسول، إلى جانب تشديد الرقابة و تطبيق العقوبات بحق حالات الإهمال الأسري المتعمد، وحدها هذه الخطوات الكفيلة بأن تعيد لكل طفل اسمه، و هويته، و حقه المسلوب في العيش تحت سقف دافئ.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
سمية مدغري علوي تكتب.. "أشباح الأرصفة": حين يختار الطفل الصمت هرباً من جحيم الأسرة

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق

أخبار مقترحة