في الطابق العلوي من مبنى مهجور يعود للحقبة الاستعمارية، حيث تترشح أشعة الشمس عبر زجاج نافذة عتيقة لتصنع خيوطاً ذهبية في الهواء، تنزوي مرسمة "العم مراد"، الفنان الذي أدار ظهره لضوضاء المدن الرقمية واختار العزلة، لم يكن المكان مجرد غرفة، بل كان فضاءً تسبح فيه روائح زيت التبخير وقطرات الأكريليك المتناثرة ( مادة بلاستيكية شفافة وقوية تُعرف بـ "الزجاج الشبكي" أو البليكسي، وتُستخدم في صناعات متعددة كاللوحات والأثاث)، حول اللوحات وعلب الألوان المبعثرة، خطوتُ إلى الداخل بإطلالتي الرسمية الهادئة ونظارتي الطبية التي أرى بها تفاصيل هذا العالم المنسي، جلستُ على مقعد خشبي مقابل للعم مراد؛ ذلك الرجل الذي تبدو على وجهه ملامح التأمل الصامت، وقد غطت بقع الألوان ملابسه كأوسمة شرف تُوجت بها سنوات عمره في الفن، فتحتُ دفتر ملاحظاتي و قلمي وسط فوضى الألوان لأوثق تفاصيل اللحظة، و تأملتُ الجلسة التي جمعتنا معاً؛ حيث تلاقت تجربة السنين في عيون الفنان بروح البحث و الجدية في ملامحي كصحفية، بادرته بسؤال يحمل دهشة المشهد وعمق التساؤل:
• في زمن تتسارع فيه الصور الرقمية و تُنتج البرمجيات لوحات في ثوانٍ معدودة، لماذا لا تزال تغمس فرشاتك في بياض القماش لأسابيع طويلة؟ "
توقف العم مراد عن الرسم قليلاً، ونظر إليّ بابتسامة هادئة تشبه حفيف الشجر، وأجاب بصوت دافئ:
"** العم مراد: يا بنيتي، الشاشات تمنحك صورة بلا نبض، تستهلكينها وتنساها فوراً، أما اللوحة الحقيقية فهي مرآة للروح؛ عندما أمزج الألوان، أنا لا أرسم منظراً طبيعياً، بل أسكب وجعاً، أو فرحاً، أو طيفاً لحلم لم أستطع الإمساك به، الفن الراقي ليس ترفاً، بل هو الطريقة الوحيدة التي تجعل البشر يتنفسون بعمق."
أصغيتُ إلى كلماته بينما كان قلمي يدوّن كل حرف بصدق، أدركتُ و أنا أستمع إليه أن ريشته لا تنقل الواقع كما هو، بل تحاول الإمساك بما وراء الواقع، لتخلد المشاعر الإنسانية التي عجزت التكنولوجيا عن محاكاتها.
خرجتُ من ذلك المبنى العتيق وأنا أغلق دفتر ملاحظاتي، محملة بكلمات العم مراد، مدركة أن الفنون الراقية ليست مجرد ديكورات تُعلق على الجدران، بل هي الذاكرة الحية التي تحفظ للإنسان إنسانيته في وجه جفاف الآلة وتسارع العصر.



.jpg)





.jpg)


.jpeg)




