منذ 34 دقيقة 0 17 0
الدكتور رفعت أبو الاسعاد يكتب... بين ظلم "الإفيه" وحقيقة التجربة: شهادة منصفة في مسيرة حمدين صباحي في مقال الدكتور أيمن منصور ندا
الدكتور رفعت أبو الاسعاد يكتب... بين ظلم

اختار الكاتب أن يستدعي شخصية سينمائية من فيلم "خلي بالك من زوزو" ليختزل بها سيرة سياسي ناهز السبعين من عمره. لكن السياسة، حين تُختزل في "إفيه" درامي، تفقد عمقها وتتحول من قراءة موضوعية للمسارات العامة إلى محاكمة كاريكاتورية تظلم التجربة وصاحبها معاً.

 

بادئ ذي بدء، لا أكتب هذه السطور من مقعد التابعين أو المصفقين على طول الخط، فقد كنتُ يوماً في الدائرة القريبة لحمدين صباحي، وتحديداً في معترك انتخابات مجلس الشعب عام 2000، وكنتُ في أوقات ومحطات سياسية لاحقة واحداً من أشد معارضيه والرافضين لكثير من اختياراته وقراراته.

 

غير أن الخلاف السياسي في تقدير المواقف شيء، والقفز فوق الحقائق لاختصار مسيرة عمر في نكتة عابرة شيء آخر تماماً. ما يدفعني للرد ليس الرغبة في التبرير لرجل يملك لساناً قادراً على الدفاع عن نفسه، بل واجب الشهادة المنصفة ممن عاين المشهد من داخله وعرف الرجل عن قرب: رأى خصاله كما رأى عثراته، ووقف على تفاصيل الصورة لا على ظلالها البعيدة.

 

أولاً: توظيف درامي في غير محله

 

استدعاء شخصية الطالب المعترض في الفيلم، الذي صاغه المخرج والسيناريست كأداة كوميدية بحتة لاستجلاب الضحك وتخفيف الإيقاع ضمن سياق فيلم استعراضي خفيف، لا يمكن إسقاطه بحال على معارضة سياسية حقيقية دُفعت أثمانها من الحرية والسنوات.

المعارضة في مصر لم تكن يوماً نزهةً كلامية أو رغبةً عبثية في المخالفة، بل كانت وما زالت خياراً مكلفاً في بيئة تعاقب على مجرد إبداء الرأي. تسطيح مواقف رجل دفع ثمن اعتراضه بالحبس والتضييق منذ كان رئيساً لاتحاد طلاب جامعة القاهرة وحتى خريف عمره، وتصوير الأمر كأنه "هواية للاعتراض لمجرد الاعتراض"، هو قفز متعسف على وقائع التاريخ لصالح السخرية اللغوية وبلاغة المقال.

 

ثانياً: حمدين الإنسان.. محبة القواعد وصدق المعدن

 

إذا كان المقال قد تحدث مطولاً عما سماه "صناعة الصورة"، فإن الصورة المصطنعة لا تصمد عقوداً في قلوب الناس. إن ميزة حمدين صباحي الأوضح لمن عرفه وخالطه ليست الكاريزما الخطابية المجردة، بل ذلك القبول الإنساني الصادق والفطري.

 

هو رجل محبوب في بلدته ، لم تنقطع صلته بجذوره يوماً، محبوب من رفاق طفولته ومقاعد دراسته من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، ومن زملائه في الجامعة، ومن كل من عمل معه في الصحافة أو العمل العام، حتى المختلفين معه فكرياً. لم يدخل مركزاً أو قرية في محافظته (كفر الشيخ) إلا واستقبلته الجماهير بحفاوة نابعة من ثقة في نقاء اليد، والاقتراب الحقيقي من همومهم، وترك الأثر الطيب في كل مساحة يتحرك فيها. هذا الرصيد الشعبي لم يُصنع بأناقة مظهر أو ظهور تلفزيوني، بل تراكم عبر عقود من البساطة وحسن المعشر، وهو رصيد أثبتت الأيام أنه ظل عصياً على المحو أو التشويه.

 

ثالثاً: معضلة المؤسسة.. هل نلوم المعارضة على قيود النظام؟

 

يطرح المقال إشكالية عدم قدرة حمدين على بناء "مؤسسة" حزبية بديلة قادرة على تداول الحكم، ويحمّله بمفرده مسؤولية الفراغ في صفوف المعارضة. وهنا يغيب السؤال المنطقي الأهم: هل كانت البيئة السياسية والتشريعية في مصر تسمح أصلاً ببناء مؤسسات حقيقية أو تداول سلمي للسلطة؟

 

إن تحميل المعارضة، وحمدين في القلب منها، عجزاً تنظيمياً دون النظر إلى الإطار الأمني والقانوني الذي كبّل الحياة الحزبية لعقود، هو قلبٌ للأمور وخلطٌ فادح بين الأسباب والنتائج. فالأحزاب لم تُحاصر لضعف طموح قادتها، بل لأن سياسات الدولة المتعاقبة أغلقت المجال العام عمداً، وحاصرت التمويل، وجففت منابع العمل الطلابي والنقابي، وجعلت من النشاط الحزبي الجاد مغامرة غير مأمونة العواقب. فكيف يُطالب معارض بأن يبني "حكومة ظل" متكاملة في واقع كان يجرّم حتى مجرد فتح مقرات في المحافظات أو عقد مؤتمرات جماهيرية حرة؟

 

رابعاً: شجاعة المراجعة لا تصيدها

 

حين يخرج سياسي بسلسلة مراجعات صريحة،

معترفاً بلحظات التقدير الخاطئ، يُفترض بالتحليل الرصين أن يقرأ هذه الخطوة كدليل نضج وجسارة أخلاقية نادرة في وسط سياسي اعتاد دوماً كتابة مذكراته باعتبارها سجلاً لأخطاء الآخرين وتبرئة تامة للذات. إن تحويل الاعتراف والاعتذار إلى تهمة إضافية تلاحق صاحبها يضع السياسي أمام معادلة مستحيلة: إن صمت اتُّهم بالإنكار والجمود، وإن راجع نفسه واعتذر اتُّهم بالتناقض وفوات الأوان!

 

إن مسيرة حمدين صباحي، بما لها من مواقف وطنية وانحيازات شعبية لا ينكرها إلا جاحد، وما عليها من عثرات وتقديرات سياسية نختلف معها بشدة، تستحق نقداً موضوعياً جاداً يضع الأحداث في سياقاتها وظروفها التاريخية القاسية. أما اختصار عمر كامل قُضي بين السجون، والمنابر، وتفاصيل الشارع في "إفيه سياسي"، فهو قراءة تتجاهل الواقع المعاش، وتغفل الصدق الإنساني الذي جعل حمدين دائماً—حتى في عيون معارضيه المنصفين—أكبر بكثير من أن يُختزل في مشهد فكاهي عابر.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة