منذ 52 دقيقة 0 10 0
الصين قادمة.. فماذا تريد من مصر؟
الصين قادمة.. فماذا تريد من مصر؟

كتب- يسري ثابت

 

لم تعد العلاقة بين مصر والصين مجرد علاقة بين دولة تستورد وأخرى تصدّر. فالصين التي أصبحت خلال العقود الأخيرة واحدة من أكبر مراكز الإنتاج والتجارة في العالم، تنظر إلى مصر باعتبارها موقعًا استراتيجيًا داخل خريطة أوسع بكثير من حدود السوق المصرية، بينما تنظر القاهرة إلى بكين باعتبارها شريكًا يمكن أن يساعدها في جذب الاستثمار، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية.

 

ومن هنا فإن السؤال عن الصين في مصر لا ينبغي أن يبدأ من عدد المصانع الصينية أو حجم التجارة بين البلدين، وإنما من سؤال أكثر أهمية: ما الذي تريده الصين من الموقع المصري، وما الذي تستطيع مصر أن تريده في المقابل؟

 

الإجابة تبدأ من البحر.

 

بالنسبة إلى الصين، لا تمثل قناة السويس مجرد ممر تختصر من خلاله السفن آلاف الكيلومترات. إنها جزء من طريق يصل مراكز الإنتاج الآسيوية بالأسواق الأوروبية والإفريقية. وكلما زادت أهمية التجارة الصينية عالميًا، ازدادت قيمة المواقع التي تتحكم في حركة هذه التجارة.

 

وهنا تكتسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية تتجاوز فكرة جذب الاستثمارات.

 

فإذا كان بإمكان السفينة الصينية أن تمر عبر القناة، فإن القيمة الأكبر بالنسبة إلى مصر أن تتمكن البضائع التي تحملها من أن تُنتج أو تُجمع أو تُخزن أو تُعاد تصديرها من الأراضي المصرية.

 

وهذا هو الفارق بين دولة تقع على طريق التجارة ودولة تتحول إلى جزء من اقتصاد التجارة.

 

هذه الفكرة تفسر جانبًا مهمًا من الحضور الصيني المتزايد في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث أصبحت منطقة «تيدا» نموذجًا للتعاون الصناعي الصيني في مصر. فالمصلحة الصينية هنا لا تتوقف عند السوق المصرية، بل تمتد إلى إمكانية استخدام مصر قاعدة للإنتاج والوصول إلى أسواق أخرى.

 

ومن هذه الزاوية تحديدًا يجب فهم «الحزام والطريق».

 

المبادرة الصينية ليست مجرد مشروع طرق وموانئ كما يعتقد البعض، وإنما تصور واسع لربط الصين بشبكات التجارة والاستثمار العالمية من خلال البنية التحتية والموانئ والطاقة واللوجستيات والصناعة. ومصر بحكم موقعها بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وبامتلاكها قناة السويس، ليست دولة هامشية في هذه المعادلة.

 

لكن هناك جانبًا آخر أكثر أهمية.

 

الحزام والطريق ليس مشروعًا اقتصاديًا منفصلًا عن السياسة.

 

فحين تبني دولة موانئ وطرقًا ومناطق صناعية وتوسع علاقاتها التجارية في عشرات الدول، فإنها لا تزيد تجارتها فقط، وإنما تزيد أيضًا قدرتها على بناء علاقات طويلة الأجل ونفوذ اقتصادي وسياسي. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل مشروع صيني يحمل هدفًا سياسيًا مباشرًا، لكنه يعني أن الاقتصاد في السياسة الدولية أصبح أحد أهم أدوات القوة.

 

وهنا يجب أن تكون القراءة المصرية أكثر واقعية.

 

مصر تحتاج إلى الصين، لكن الصين تحتاج إلى مصر أيضًا.

 

القاهرة تحتاج إلى استثمارات صناعية، وتكنولوجيا، وأسواق للصادرات، وفرص عمل، ومصادر جديدة للتعاون بعيدًا عن الاعتماد على شريك واحد. وبكين تحتاج إلى موقع مصري يفتح لها الطريق إلى أسواق وممرات تجارية ذات أهمية عالمية.

 

هذه ليست علاقة بين طرف قوي وطرف ضعيف بالضرورة؛ إنها علاقة يمكن أن تكون بين طرفين يمتلك كل منهما أوراقًا تفاوضية مختلفة.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مصر من شريك محتمل إلى سوق استهلاكية فقط.

 

فحجم التجارة ليس المؤشر الوحيد على نجاح العلاقة. قد ترتفع الواردات ويزداد معها حجم التجارة، بينما لا يحصل الاقتصاد المصري على القيمة التي يحتاج إليها. أما إذا تحولت الاستثمارات إلى مصانع منتجة، وزادت نسبة المكونات المحلية، وانتقلت التكنولوجيا والخبرات، وارتفعت الصادرات المصرية، فهنا يصبح الاستثمار الأجنبي جزءًا من عملية بناء الاقتصاد وليس مجرد تمويل له.

 

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومة عند كل مشروع صيني جديد ليس فقط: «كم تبلغ قيمة الاستثمار؟» بل أيضًا: كم وظيفة سيخلق؟ وكم سيصدر؟ وما حجم المكون المصري؟ وما التكنولوجيا التي ستبقى في مصر بعد انتهاء المشروع؟

 

هذه الأسئلة أهم من رقم الاستثمار نفسه.

 

والأمر ذاته ينطبق على التجارة. فليس كافيًا أن تبحث مصر عن زيادة صادراتها إلى الصين في صورة منتجات أولية أو سلع محدودة القيمة. التحدي الحقيقي هو أن تدخل المنتجات المصرية في سلاسل القيمة العالمية، وأن تستطيع الشركات المصرية المنافسة في الأسواق الصينية وغيرها.

 

أما سياسيًا، فإن التقارب مع الصين يمنح مصر مساحة إضافية للمناورة في عالم يتجه بصورة واضحة نحو تعدد مراكز القوة. القاهرة لا تحتاج إلى استبدال واشنطن ببكين، ولا إلى الاختيار بين الصين وأوروبا؛ مصلحتها الحقيقية أن تمتلك علاقات متوازنة مع الجميع، وأن تحول تعدد الشركاء إلى قدرة تفاوضية أكبر.

 

لكن هذا التوازن يحتاج إلى سياسة اقتصادية واضحة.

 

فالصين لن تأتي إلى مصر لتبني الاقتصاد المصري نيابة عنها، كما أن المستثمر الصيني لن يتخلى عن مصالحه التجارية من أجل المصالح المصرية. كل طرف يتحرك وفق حساباته. والنجاح هنا لا يكون في أن يحصل طرف على كل شيء، وإنما في أن تعرف مصر كيف تجعل مصالحها جزءًا من الصفقة.

 

لذلك فإن مستقبل العلاقة المصرية الصينية لن تحدده كثرة الاتفاقيات وحدها، وإنما قدرة مصر على تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

 

قناة السويس تمنحنا الموقع، والحزام والطريق يمنح هذا الموقع أهمية إضافية في الحسابات الصينية، والاستثمارات يمكن أن تمنح الاقتصاد المصري رأس المال والخبرة. لكن الحلقة التي لا يستطيع أحد أن يبنيها بدلًا من مصر هي: الإنتاج.

 

فإذا أصبحنا مركزًا لإنتاج السلع وتصديرها، ومركزًا للخدمات اللوجستية، ونقطة اتصال حقيقية بين الأسواق، فإن الصين ستكون فرصة كبيرة للاقتصاد المصري.

 

أما إذا اكتفينا بأن تمر السفن الصينية في القناة، وتصل السلع الصينية إلى أسواقنا، وتغادر الأموال إلى الخارج، فلن نكون قد استثمرنا موقعنا كما ينبغي.

 

الصين قادمة، وهذا واضح.

 

لكن السؤال الأهم ليس ماذا تريد الصين من مصر.

 

السؤال الذي سيحدد مستقبل العلاقة هو: ماذا تريد مصر من الصين، وهل تملك القدرة على الحصول عليه؟

 

ففي العلاقات الدولية، لا يكفي أن تمتلك الدولة موقعًا استراتيجيًا.

 

الأهم أن تعرف كيف تستخدمه.

 

يسري ثابت

باحث في الاقتصاد والعلوم السياسية

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
الصين قادمة.. فماذا تريد من مصر؟

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة