الدكتورة إلهــام سيــف الدولــة حمــدان تكتب: زهورنا الشابة.. والاكتئاب!!
ما الذي أصاب الوجدان المصري؟ هل تكلَّس بالاكتئاب والضيق والتبرم من الحياة؛ والجنوح إلى الرغبة في الانعزال عن الناس، واجتياح رياح القلق العام على الروح المصرية التي اتسمت بالصبر والجلد طوال أحقاب طويلة من الدهر؟.
سؤال طويل ومتشعب يبحث عن إجابة مقنعة، ولكنني ـ بنظرة موضوعية واعية ـ أحاول أن أفجر سؤالاً آخر من داخل السؤال نفسه: هل الحالة السياسية وانعكاساتها تؤثر على الحالة المزاجية لأفراد المجتمع وتتسبب في حالة الاكتئاب العام الذي نراه ونشاهده ونعايشه في كل مكان؛ ونكتشفه في غياب البسمة الحقيقية من فوق الوجوه؟.
فالاكتئاب حالة وجدانية مزاجية تتسم بعدم الارتياح، والجنوح إلى الهروب من الأمكنة إلى غير ما هدف؛ أو الارتداد للداخل بالقوقعة داخل الذات والبعد عن التواصل الخلاق مع المجتمع؛ وليصبح كل فرد جزيرة منعزلة منطوية؛ يمارس الحياة بشكل آلي بلا مشاعر أو أحاسيس صادقة تجاه من حوله، وعلينا أن نعترف ـ مرغمين لا مغرمين ـ بأسباب حالة هذا الاكتئاب بشكلٍ عام؛ وبخاصة داخل قطاعات الشباب الذي يمثل غالبية المجتمع المصري؛ فهو يعاني الإحباط في منظومة التعليم وعدم الحصول على الوظيفة بعد عناء الحصول على صك الخروج إلى الحياة العملية ـ لأنها بلد شهادات ـ ثم المعاناة في الحب ومحاولة الحصول على شقة للزواج؛ فيشعر بأن الحياة قد توقفت وما من سبيل إلى الخروج من بحور الإحباطات المتتالية؛ فيجد ما قلنا عنه بالارتداد إلى الداخل؛ بالانغماس ـ ربما ـ في التطرف العقائدي أو السياسي؛ لتتلقفه أيادي من لا يرحم من صناع الإرهاب الأسود المتربصين خلف الأسوار للانقضاض على كل أماني وأحلام المستقبل.
وفي الحقيقة.. لا نريد أن نتغاضى ونغمض أعيننا أو نتجاهل الاعتراف بتفاقم "مشكلة البطالة"؛ وهي التي ساعدت على ازدياد حالات الاكتئاب؛ وأساس هذه المشكلة أننا لم ندرس ـ بشكل واقعي ـ حاجة سوق العمل من خريجي الجامعات بكلياتها المتخصصة من آداب وهندسة وعلوم وفلسفة وتجارة، وأهملنا التوسع في مدارس التعليم الصناعي والمهني والتجاري، ويعود هذا إلى المفهوم الخاطىء في أذهان أولياء الأمور؛ بأن هذه التخصصات الصناعية والمهنية والتدريبية؛ تخص الطبقات الدنيا من المجتمع، وعليه ازدحمت جيوش الخريجين من حملة المؤهلات العليا.. ولا يوجد مكان لاستيعابهم في سوق العمل!.
من هُنا.. كان الرصد الرقمي إلى تصاعد ما يسمى بـ "الإحباط المجتمعي"، نتيجة تراجع الآمال والطموحات المرجوة من ثورة الشباب التي حاولت أن تطيح بسيطرة أصحاب رءوس الأموال على سوق العمل؛ وارتفاع أعداد الهاربين ـ بالطرق غير المشروعة ـ عبر البحر إلى الشاطىء الآخر بأوروبا؛ ليعودوا بالخيبة أو في صناديق تحوي رفاتهم أو بقاياهم ـ إن عُثر عليهم وسط أمواج البحر المتوسط ـ ، علاوة على رصد ارتفاع نسبة حالات الانتحار أو محاولة الانتحار لمن جلس على حافة البحر هُنا في مصر، وهي الحالات التى تفشت بين صفوف الشباب؛ لأنه لم يجد سوى طريق اليأس والإحباط يفتح له ذراعيه؛ فيكون ضحية بين التطلعات والطموحات العالية؛ وبين الواقع المرير الذي يجذبه إلى أسفل؛ فيكون التمزق ـ حتميًا ـ جسديًا ونفسيًا .. وكلاهما مُر!.
ولعل من أهم أسباب تساؤلاتي المشروعة؛ هو ملاحظتي وملاحظة أجهزة الرصد المجتمعي؛ باختفاء وتراجع "النكتة المصرية اللاذعة"؛ برغم كونها إحدى سمات الشعب المصري العريق، وشهرته في جلد الذات بالنكتة المريرة على واقعه، فلقد أخذت "الطرفة أو النكتة" منحى آخر يشي وينضح بنشع الإحباط في جدران المجتمع مهددًا بانهياره تحت وطأة الضغوط الراسخة فوق كاهله، فجاءت "النكتة" مُبكية بعكس الغرض الذي صيغت من أجله فكرتها في الأساس، ليفتقد المجتمع المصري سمة من سماته الجميلة الرائعة، وصحيح أنه يعبر فوق جسور متوالية من الأزمات المرهقة.
ولكن إلى متى؟ فنقطة المياه المتساقطة على جلاميد الصخور تذيبها.. ما بالنا بجدار الروح البشرية الشفافة والفطرة التي خلقه الله عليها، فالشباب هو الروح الوثابة للمجتمع وزهوره التي لا نريد لها أن تذبل وتجف على عودها قبل فوات الأوان.
الحلول الجذرية مازالت بين أيدينا.. فقط نبدأ الآن وليس غدًا؛ فالزمن يمضي بالعمر ولا ينتظر، ومرحلة الشباب وعنفوانه قصيرة، فمتى تعمل الدولة على استغلال هذه الطاقات الخلاقة العملاقة في إعادة تشكيل المجتمع، ولا نختلق الأعذار الواهية بالزيادة السكانية، فالصين الشعبية تعدت المليار ونصف المليار، ويتخذون من "القوارب" في البحر مساكن ومصانع غزت العالم بإنتاجها، ولو نظرنا حولنا في مصر، سنجد المنتجات الصينية قد دخلت إلى أدق الأشياء في بيوتنا.. وكنا سلة غذاء العالم في يوم ما من الأيام الخوالي، فهل يعقل أن الدولة المصرية أصبحت تعتمد اعتمادًا ـ شبه كلي ـ على المنتجات الزراعية والصناعية الصينية، وللأسف فإن رجال الأعمال لا يستوردون إلا الردىء منها.
يجب أن تمتد الأيادي الصادقة إلى الشباب، وتفجير طاقاته الإنتاجية بالتوسع في كل المجالات الصناعية والمهنية؛ لاستيعاب هذه الأعداد الغفيرة التي تحتل مقاعد "المقاهي" في كل الأحياء، وليس هذا في العشوائيات فحسب، بل امتدت هذه الظاهرة إلى كل المدن والقرى والنجوع في مصرنا.. التي نريدها ـ بالفعل ـ محروسة من كل الشرور التي تحيط بها.. ليأتي الغد حاملاً معه تحقيق كل الطموحات المرجوة للمستقبل الواعد والشمس المشرقة؛وليحفظ بساتين زهورنا الشابة من الذبول قبل الأوان!
** أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون
















