ما قيمة العلم ما لم يترجم سلوكا وتنويرًا وقدوة للآخرين . يظل وبالا على صاحبة ويبقى موصوما بعلمه الذى ظل حبيس ذاته فيما تنتصر عليه
الأعراف والتقاليد التى تجعل من المتعلم مسخا يدور فى فلك السلوكيات والممارسات الاجتماعية التى تفرض نفسها فى كل الظروف وتنكسر
أمامها التعليمات والتحديات حتى وان كانت موجهة لحماية المجتمع .
فمتى يمكن لهذه الفئات ان تكون فاعله ومؤثرة فى محيطها الجغرافي؟
ومتى يعى الناس الفرق بين المؤهلات والشهادات العلمية وبين الثقافات ذات العلاقة بالسلوك الانسانى الذى يمكن تسميته بالسلوك الحضارى
المتطور مع مقتضيات العصر ،والذى يخدم بدوره المجتمع محققا النفع والفائدة المرجوه من العلم والتعليم . التى لا أراها متحققه بالشكل
الكافى فى مجتمعنا فى ظل الظروف الراهنة ؟
ولعل دوافعى لتناول الفرق بين العلم والثقافة هو اننى حضرت اليوم تشييع قريب لأحد الأصدقاء والتى حضرها عدد كبير من الناس والإشكالية
لا تكمن فى كثرة العدد وإنما تكمن فى عدم التزامهم بالضوابط الوقائية والاجراءات الاحترازية . التى تطل علينا من كل صوب وحدب ولم يتبقى
سوى ان تذاب فى المياه لنتجرعها كشراب حتى نتخذها سلوكا فى ممارساتنا اليومية ولعل معظم الحضور هم من تمتلىء صفحاتهم بمنشورات
التوعية والتحذير .
الحضور على كثرتهم لم يلتزم منهم واحد بالمائة بارتداء الكمامة اما القفازات فلا وجود لها فى الوقت الذى رأيت فيه استغرابا من الحضور من
واضعى الكمامة على افواههم وكانهم الجبناء وسط جيش جرار من الشجعان . الذين لا يخافون الوباء ولا يكترثًون بايه مخاطر محتملة من جراء
هذه التجمعات ،
اما من أراد ان يلوح بيديه ويتخذ مسافة كافيه عن الحضور فانه المتعالي الذى ينفر من الناس كانهم اصيبوا بالجرب ولم يفهموا ان الجرب اقل
عدوى وانتشار وأنجع علاجا من وباء متخفى يتربص بالجميع ووجه الغرابة فى الامر ان اكثر من تسعين بالمائة من الحضور هم بين طبيب
ومهندس ومحامى وصحفى وخريجو جامعات وشاغلى وظائف هامة بمختلف تخصصاتهم ولم يحرص احد منهم على اتخاذ مسافه كافيه والامتناع
عن المصافحة والاكتفاء بالإشارة باليد ، عملا بما على صفحاتهم فى مواقع التواصل الاجتماعى التى تنفصل تماما عن ممارساتهم الواقعية او
ربما تتحطم على صخرة السلوك المجتمعىً السائد ، كان ذلك حال الحضور
اما عضو مجلس النواب فحدث ولا حرج اذ مارس النائب الحالىً والمرشح المحتمل مصوغات ترشحه لفترة مقبله بالسلام والعناق المطول على
كل من شاهده مترجما بذلك تحذيرات مجلس النواب وضاربا بدور النائب عرض الحائط ، فهل تراه ككل الحضور منعه الحياء والخجل
الاجتماعى من ممارسة دوره المنوط به ببث رسالة توعوية للحضور ضمانا لسلامتهم ام انها الدعاية المبكره على حساب ذاته وأسرته ومحيطه
اما عن اهل المتوفى فما ضرهم ان أعلنوا عدم السلام وأوصوا باتخاذ مسافات كافيه بين الحضور تقديرا لظروف الوباء المنتشر والذى يجد فى
تلك التجمعات مرتعا خصبا للانتشار ، فهل كان ذلك سيعد خصما من قيمة متوفاهم ورصيد العائلة الاجتماعى فى محيطها الجغرافي ، الم يكن ذلك
الأجدى لهم ليجنبهم المصافحة ويرفع عن الحضور حياء الإشارة باليد من بعيد احتراما لرغبات الحضور او بعضهم ، اذ حرص اهل المتوفى
على الترحيب الزائد بالحضور ومعانقة الاعزاء واصحاب المقامات عناقا مطولا بعد ان اصبحت سرادقات العزاء حالة من الوجاهة الاجتماعية ،
تتبارى فيها العائلات وتبلغ دورتها فى الريف بحسب العادات والتقاليد المتأصلة والسؤال من يتحمل مسئولية ذلك امام الله والمجتمع ماذا لو كان
من بين الحضور عدد من حاملى الفيروس دون أعراض ليحمله المشيعون ويعودا لمنازلهم وذويهم حاملين اسباب الهلاك والخطر .
وكل المطلوب اتخاذ تدابير حماية لن تكلف شيئا فمن رسخ فى مجتمعنا تلك العادات وما كل هذا التواكل فى مجتمع يحضر فيه المتعلمون ويغيب
علم الثقافة والسلوك .. أليس منكم رجل رشيد

















