السبت, 18 مايو 2019 09:30 صباحًا 0 917 0
عبد العزيز صبره يكتب: دموع كاذبة على أستار الكعبة
عبد العزيز صبره يكتب: دموع كاذبة على أستار الكعبة

عبد العزيز صبره يكتب: دموع كاذبة على أستار الكعبة

لم أصدق أبدًا الخشوع على وجه صديقي في صورته التي نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، نعم صديقي، وزميلي، لم أصدق لأننا في زمن لا يحُج فيه إلا الفاسدون، أما الذين عجزوا عن الفساد مثلي فهم لا يملكون عشرات الآلاف من الجنيهات كي يدفعوها ثمنا للوصول إلى أستار الكعبة.

والذين فشلوا مثلي فعلا في الفساد في عهد لم يتبق فيه سبيل للحج إلا عن طريق الفساد، إلا ما رحم ربي، ومن رحم ربي قليل، فقد فشلوا أيضا في الوصول إلى علاقات بمسئولين فاسدين في مناصب تنفيذية، ودينية، كي يمنحوني رحلة حج كاملة التكاليف على حساب الدولة كي أزرف الدموع، وأتمثل الخشوع متعلقا بأستار الكعبة المشرفة.

لا أتهم صديقي المعزز والمقرب بالفساد، ربما نجح هو فيما فشلت فيه أنا، نعم أنا أعترف أني كنت أحسده على ما حقق من نجاح في "العهد البائد" ووصل إلى تحقيق منصب في جريدة أفضل مما وصلت له، ووصل إلى علاقات أفضل مما وصلت له مع مسئولين في الدولة ورجال أعمال.

كنت فاشلًا دائما في اللحظة الأخيرة أنسحب قبل نقطة الوصول، حتى في المرات التي سيقت لي فيها الهدايا رفضتها، رغم أنني تحت شدة وقسوة ووطأة الحاجة، وعدم تحقيق مستوى مالي، ومادي واجتماعي يتطابق مع ما وصلت له في الصحافة، وسنوات العذاب من جريدة إلى جريدة، قررت مرارًا أن أمارس الفساد، ولكني كنت دائما أفشل في اللحظات الحرجة، وأجدني أرفض.

لا ألوم صديقي العزيز الفاسد، ولا أمتدح نفسي، ربما كان هو أكثر مني جُرأة، وربما كنت أنا جبانًا، وربما هو جاع أكثر مني فقد جاء من الصعيد حيث الحياة أصعب، وأنا جئت من بحري من "كفر الشيخ" وكانت الحياة أرغد.

ربما عاش حياة صعبة يتيما، وأنا عشت حياة سهلة في كنف والدي، أو كما يقولون شبعت على طبلية "أبوية"، فلم أملك الفجور اللازم في تحصيل الهدف بأية طريقة أو وسيلة.

حقيقة ومن خلال عملي في الصحافة منذ أواخر الثمانينيات الماضية لم يكن هناك من سبيل سوى الفساد والنفاق والخنوع وادعاء غير ذلك، ما كان العمل بأفضل مرتبات في أفضل الصحف ليحقق ملايين لصحفيين وإعلاميين، ومن لم يستطع فسادًا بقى حتى الآن يقطن شقة إيجار ويركب المواصلات العامة، ولم يتحول لمقدم برامج مليونير شهير، ولا حوت مالي في شكل صحفي أو إعلامي، سواءا مؤيدا أو معارضا.

الصورة التي علقت بذهني وتغلغلت قلبي كانت لصديقي وزميلي، متصببًا عرقا مُطأطئ الرأس، متخاشعا متعلقا بأستار الكعبة المشرفة، فيما كنت أشاهده جالسًا لا حول لي ولا قوة بدون عمل.

هل الذنب ذنبه، أنه ضُبِط في قضية رشوة كبرى في ملف مسئول عن قوت الغلابا الذين كنا ندافع عنهم سويا في عملنا بالصحافة، أم هي حالة الفساد الوطني التي عمت وغطت واكتسحت واخترقت كل البلد.

نعم أعترف أنني كنت ألجأ إليه مقترضا تحت شدة العوز، وكان يمدني بمبالغ زهيدة في حكم المساعدة ولكنها في شكل "السلف"، غضبت منه كذلك لما ضبطوه لديه ملايين، وكان يساعدني ببضع مئات، حتى في هذه (طلع واطي كما كان يحب أن أناديه ويضحك فرحا)، وكنت ألجأ إليه أحيانا ليُلحقني بعمل هنا أو هناك (طلع واطي أيضا) حيث كان يمُن على بأضيق الفرص وأقلها. صديقي العزيز الفاسد وأنا، كنا نحرص ونحب أن نلتقي، أيضا، بدون مصلحة، ربما كان كلا منا يرى في الآخر النجاح الذي فشل في تحقيقه، فربما فشل هو أو عجز عن أن يكون محترما، وفشلت أنا أو عجزت عن أن أكون فاسدا.

بقى لي كلمة واحدة، هي أن حياتنا فسدت لدرجة أن كثير من الفاسدين والمرتشين يحصلون على "الحج" ضمن رشاوي يتلقونها ويذهبون لينشروا صورهم في بيت الله الحرام في الشهر الحرام، ولكنه حجا حراما،..

وفي النهاية يا صديقي العزيز الفاسد أعترف أنه لا ذنب لك، ولا فضل لي فيما وصل له كلانا، ولكني منفطر القلب عليك رغم قد أعلم لك أعذارا، إلا أنني لا أجد لك اعفاءا من العقاب، فلربما تصلُح بلدنا التي كثيرا ما تعذبنا فيها وتمنينا لها الصلاح.

 تقبل دموعي: عبدالعزيز صبره

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
أستار الكعبة عبد العزيز صبره دموع كاذبة الحج

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق