الخميس, 05 فبراير 2026 00:57 صباحًا 0 211 0
(خُطَّةُ تَقَاعُد) قصه قصيرة بقلم المستشار إسلام النجيحى
(خُطَّةُ تَقَاعُد) قصه قصيرة بقلم المستشار إسلام النجيحى

لفتت انتباهي علاماتُ الهَمِّ التي ارتسمت على ملامح ذلك الرجل الستيني الأنيق، بنظارته الكلاسيكية العاجية، وياقة قميصه البيضاء، وبدلته المُهندَمة ذات الطراز القديم. كان يفوح منه عبقُ المجد القديم. يجلس في إحدى زوايا قهوةٍ بلديّةٍ عريقةِ التاريخ، واسعةِ الأرجاء، عاليةِ السقف؛ ورغم محاولات الأحفاد تجديد ديكوراتها، أبى السقفُ إلا شموخًا، رافضًا كل انتكاسات الأسقف الجبسية المعلّقة، وكأن بعض الإنجازات التاريخية لا يُطمس أثرها بسهولة مهما هبّت رياح الحداثة. تمامًا كبعض الهموم؛ تطغى، فلا يظهر على السطح إلا هي، ولا يجذب العيون المتأملة، والقلوب الرحيمة، مثلها.

كنت أجلس بعيدًا عنه، لكني لا أرى سواه، رغم اكتظاظ القهوة بمجموعاتٍ مختلفة من الشباب، ووجود مجموعة أخرى من كبار السن ملتفّين حول اثنين منهم يتبارزان في منافسات الطاولة، في جوٍّ يفيض مرحًا، وتعليقاتٍ مضحكة، بسرعة بديهة لا مثيل لها. وخلفيةٍ موسيقيةٍ هادئةٍ لأم كلثوم، تقاطعها الأصوات والضحكات وطرقعات الدومينو.

لم يكن كمثله أحد في القهوة، رغم تقارب الأعمار. أرجعت البصر إليه كرتين، فانقلب إليَّ البصرُ وهو حسير.

فطاقة الحسرة لدى العجوز الأنيق، الشارد الصامت، لها عدوى؛ وما إن حلّت بروحي حتى امتلأتُ همًّا، وانكسارًا، وعزلةً، رغم الصخب من حولي.

غارت عيناي كمياه عينيه، وتهالكت قسمات وجهي، تنوء بتجاعيد قديمة مترهلة، حُفرت على جبيني وكأنها أسفلتٌ ضعيف، منبعجٌ من أثر إطارات شاحنات النقل الثقيل.

تأملتُ جلد كف يدي، وتذكّرت يوم خلعتُ نياشيني الوظيفية،وانتهت صلاحية بدلتي الرسمية ذلك اليوم الذي بدأ فيه الفراغ ينهش روحي، وتداهمني العزلة، ومحفظتي الخاوية على عروشها تتخلّى عني، وبئر صحتي معطّلة، وقصرٌ من الأحزان مشيَّد.

شاهدت في يدي سينما صغيرة، تعرض صور كل من غاب قسرًا من أبطال مسرحيتي وبقية المشاركين؛ رأيتهم يقفزون من مسرح حياتي واحدًا تلو الآخر. شعرتُ فجأةً ببردٍ كبرد المريض، حنينٌ يعصف بقلبي، وغصّةٌ مريرة تؤلم حلقي، وستارٌ لا يريد أن يُسدل.

غالبتُ دمعةً ضاقت بها روحي المختنقة، وأنا أحاول أن أصرخ بصوتٍ باكٍ: يا رب… قد اكتفيت. فجأة، استيقظت من خيالاتي على صوت النادل يناديني: (تشرب إيه يا باشا؟) نظرتُ إليه في صمت ولم أُجِبه فلم تكن لدي خطة لشيءٍ إلا للتقاعد، ثم التفتُّ لأنظر إلى العجوز…لأجد مقعده فارغًا!وكأنه لم يكن هناك.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
مقالة، المستشار إسلام النجيحى، خطة تقاعد، قصة قصيرة

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق