الاربعاء, 26 مايو 2021 11:18 صباحًا 0 635 0
الأستاذ الدكتور خالد العامري يكتب عن.. جهاز المناعة و قواته العسكرية
الأستاذ الدكتور خالد العامري يكتب عن.. جهاز المناعة و قواته العسكرية
طبيعة دراسة الطب البيطري طبيعة مثيرة للغاية حيث التنوع بين الفصائل المختلفة تجعلك امام تنوع غير محدود من المعلومات نتيجة هذا التباين بين الفصائل و يتحول معه الطب البيطري الي علوم مقارنة و دائما ما تجد كائن يتشابه و يتطابق في شئ ما مع الإنسان .
يتكون جسم الإنسان و كذلك الحيوان من مواد منظمة في تريليونات من الخلايا التي تشكل أنسجته وأعضائه و يوجد ايضا الي جانب ذلك مضخات الصوديوم والبوتاسيوم المعنية للسماح لكل خلية بالتحكم في حجمها ومحتواها الكيميائي و مع ذلك يجب أن يكون هناك ما يكفي من مادة الألبومين في الدم لمقاومة القوة الطبيعية للضغط الهيدروستاتيكي والحفاظ على حجم الدم وتدفقه إلى الأنسجة. كذلك يتحمل الجهاز العصبي زيادة الناتج من القلب ومقاومة الأوعية الدموية الطرفية لرفع ضغط الدم بما يكفي لمواجهة الجاذبية عندما نقف. كذلك كان على الجسم أن يتعلم و يتعامل مع ما يواجهه من مخاطر بيئية فيسمح مثلا بتخثر الدم و تكوين الجلطات ليمنع الجسم نفسه من النزيف حتى الموت عندما يتعرض لحادث او ارتطام في اى شئ يؤدي الي ذلك و كذلك تعمل العظام والعضلات والأعصاب معا حتى يتمكن الجسم من اكتشاف الخطر وتجنبه أو الدفاع عنه.
إن الجسم يتعرض دائما للكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا والفيروسات والفطريات الموجودة في الطبيعة ولكنها صغيرة جدا بحيث لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة فإذا ما قامت هذه الميكروبات بغزو الجسم وانتشرت على نطاق واسع فقد تتسبب في الكثير من الضرر الي حد إحداث تلف او حتى الفتك بالإنسان. و معلوم لدى المتخصصين أن خط الدفاع الأول ضد العدوى هو الجلد والأنسجة التي تبطن الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز البولي و التناسلي. فإذا اخترقت الميكروبات هذه الحواجز ودخلت الأنسجة يتدخل فورا خط الدفاع الثاني إلى العمل ويسمى هذا الجهاز بالجهاز المناعي و الذي يتكون من العديد من الخلايا والبروتينات المختلفة و المفرزات الخلوية التي تعمل معا لمحاربة و صد القوة الغازية. و على مدار الزمان اعتمد الإنسان على خط الدفاع الأول و الثاني في صد الهجمات المتتالية من الميكروبات التي تهاجم الجسم من آن لآن .
و في العصور القديمة عندما كان الغزاة يخترقون الجدار الواقي المحيط للمدينة كان للمدافعين عموما أربع مهام مهمة لأداء سريع للغاية.
•الأول كان كشف العدو وتحديده بشكل إيجابي.
•الثاني هو إصدار الإنذار حتى يتمكن الآخرون من المساعدة في الدفاع.
•الثالث هو تقديم معلومات عن العدو لمن هم في الاحتياط.
•الرابع هو صد المتسللين أو جرحهم أو قتلهم لحماية سكان المدينة .
وبالمثل بمجرد أن تتجاوز الميكروبات الجدار وتخترق الأنسجة أدناه يجب أن يكون للدفاع المناعي للجسم القدرة على أداء هذه المهام الأربع المهمة أيضا و برد فعل سريع للغاية.
لذلك يتطلب الأول أن يكون لخلايا وبروتينات الجهاز المناعي طريقة للكشف عن وجود الميكروبات وأن تكون قادرة على التعرف عليها كقوة غازية تحتاج إلى تدميرها من عدمه . وبعبارة أخرى هل هذه الخلايا تستضيف خلايا (ذاتية) أم خلايا غريبة (ليست ذاتية)؟ و هنا تأتي وظيفة الجهاز المناعي و هي قتل الميكروبات الغازية لذلك دائما من الأفضل التأكد من أن ما يواجهه الجسم هو بالفعل جسم غريب ويحتاج إلى التدمير وإلا فإنه قد ينتهي بقتل خلاياه الخاصة بنيران صديقة.
بعد تحديد حدوث غزو ميكروبي تأتي المهمة الثانية للجهاز المناعي و هي إرسال رسائل حتى يتمكن من جلب قوى أخرى إلى ميدان المعركة. يتضمن هذا إطلاق مواد كيميائية لا تزيد فقط من تدفق الدم إلى موقع العدوى بل و يسمح للخلايا المناعية والبروتينات بالتسرب من الدم عبر الشعيرات الدموية و تجذبها أيضا إلى ساحة المعركة و هذا يتسبب في انتفاخ المنطقة المحيطة بالعدوى وتصبح حمراء و هو ما نسميه الالتهاب.
بالإضافة إلى حشد القوات فإن المهمة الثالثة للجهاز المناعي هي توفير معلومات حول مكان وطبيعة العدو لأولئك الذين هم في الاحتياط و يتم تحقيق ذلك من خلال بعض الخلايا المناعية الأولية "الخلايا الأكولة "و التي تفاعلت مع الميكروب منذ البداية و التي تقوم بقص و تقطيع أجزاء من الميكروبات الميتة و تقوم بعرضها و وإرسالها إلى القوات الاحتياطية حتى يتمكنوا من الاستعداد بشكل أفضل لما ينتظرهم.
و أخيرا بمجرد نقل أسلحة الجهاز المناعي إلى موقع الإصابة فإن الأمر متروك لهم لإصابة أو قتل القوة الغازية لمنع العدوى من الانتشار أكثر و تمتلك الخلايا المناعية والبروتينات المعنية العديد من الأسلحة المختلفة لإنجاز هذه المهمة.
و كما هو الحال مع معظم العمليات العسكرية فإن الجهاز المناعي للجسم لديه قوات نظامية ومتخصصة و تشكل هذه القوى النظامية ما يسمى بنظام المناعة الفطري (الطبيعي) و هو نظام الدفاع الميكروبي الذي يولد به الجميع وهو أول من يواجه العدو ويتفاعل معه في غضون دقائق لكن هذا النظام بمفرده دائما ما يكون غير قادر عادة على حماية الجسم من العدوى الكاسحة كما إن العديد من الكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض لديها القدرة ايضا على البقاء غير مرئية ومقاومة لاستراتيجياتها كما هو الحال في حالة فيروس كورونا المستجد مما يسمح لها بالتكاثر والانتشار في جميع أنحاء الجسم.
عادة أيضا ما تكون القوات المتخصصة مطلوبة لتعزيز وتحسين تأثيرات جهاز المناعة الفطري و يطلق عليهم معا نظام المناعة المكتسب و عادة ما يتطلب هذا النظام بضعة أيام للتكيف مع خصوصيات الميكروبات الغازية ولكن عندما يدخل إلى العمل فإنه يوفر المزيد من الذكاء والقوة النارية والدقة التي تسمح له عادة ونظام المناعة الفطري بإنجاز المهمة و على النقيض من جهاز المناعة الفطري الموجود عند الولادة يتطور جهاز المناعة المكتسب بمرور الوقت حيث يتعرض الجسم لمزيد من الميكروبات المختلفة لبناء حاط صد مناعي تجاه هؤلاء الغزاه .
من هنا يتضح الدور الذي يقوم به الجهاز المناعي و الذي يعتبر أداؤه اشبه بأداء جيش نظامي منضبط يتحرك في منتهى السرعة لصد العدوان و في اوقات معينة الي صد الغزو من الميكروبات الأقل فتكا و ضررا مما يساعده ايضا على التدخل و الصد بأشبه بمناورة عسكرية لضمان التدريب الدائم و المتواصل من اجل الجاهزية لصد العدوان في حالة وجود غزو من ميكروبات فتاكة و هنا تظهر قوة الطرفين سواء القوات الغازية و هى الميكروبات او سواء القوات الدفاعية و هى الجهاز المناعي و هنا تظهر خطط كثيرة و اسلحة متطورة من الجانبين كما تستخدم استراتيجيات من كلا الطرفين تحدد القوة التي تستطيع أن تتغلب علي الآخر و معها يتحدد مصير الإنسان في مدى قدرته على البقاء من عدمه و نرى مع كل ذلك عظمة الله الخالق الذي خلق هذا الكون بدقة متناهية و بقدرة غير مسبوقة.
خالص تحياتي
ا.د/خالد فاروق العامري
استاذ المايكروبيولوجي و المناعة و البيولوجيا الجزيئية بكلية الطب البيطري جامعة القاهرة .
سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
الأستاذ الدكتور خالد العامري يكتب.. جهاز المناعة و قواته العسكرية

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق