يقدّم كتاب “المذبح الأخير” للكاتب الهيثم ليث، الصادر عن دار جيم للنشر والتوزيع، معالجة سردية عميقة لمفهوم العنف، ليس بوصفه حدثًا طارئًا، بل كمنظومة متكاملة تتغلغل في بنية المجتمع والإنسان على حدّ سواء. فالرواية لا تكتفي بعرض مشاهد الصراع، بل تسعى إلى تفكيك أسبابه وآلياته، وكيفية إعادة إنتاجه عبر السلطة والذاكرة.
تنطلق الرواية من فضاء مدينة منهكة، تتوزع فيها القوى بين نفوذ سياسي وديني متداخل، حيث يصبح العنف وسيلة لضبط الواقع، لا نتيجة لانفلاته. ومن خلال شخصية “الأمين”، تبرز صورة السلطة التي لا تكتفي بممارسة السيطرة، بل تعمل على ترسيخها عبر الخوف، ليغدو العنف أداة بنيوية لا يمكن فصلها عن استمرار الحكم.
في المقابل، تقدّم شخصية “المهيب” تمثيلًا مختلفًا للعنف، إذ يتحول من كونه ضحية إلى حامل لذاكرة مثقلة بالألم، ما يجعله كائنًا يعيش على تخوم الانتقام والخلاص. هذه الازدواجية تفتح المجال أمام قراءة فلسفية للعنف بوصفه دائرة مغلقة، يصعب كسرها، حيث يتحول المقهور إلى فاعل ضمن نفس المنظومة التي أنتجت معاناته.
أما “عبير جعفر”، فتشكّل نقطة تقاطع بين هذه العوالم، إذ تمثل عينًا تسعى إلى الفهم والتوثيق، لكنها في الوقت ذاته تجد نفسها منخرطة في شبكة العنف ذاتها. عودتها إلى المدينة ليست مجرد حدث سردي، بل هي مواجهة مع تاريخ شخصي وجماعي، حيث يتداخل الذاتي بالموضوعي، ويتحوّل البحث عن الحقيقة إلى صراع داخلي.
وتبرز شخصية “نيران” بوصفها التعبير الأكثر مأساوية عن نتائج هذا العنف، حيث تجسّد البراءة التي تم سحقها تحت وطأة واقع قاسٍ. من خلالها، تطرح الرواية سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: ما الذي يتبقى من الإنسان حين يُسلب منه الأمان والكرامة؟
أسلوبيًا، يعتمد الكاتب على تصعيد درامي متدرج، تتكثف فيه الأحداث دون أن تفقد تماسكها، مع حضور واضح للرمزية، خصوصًا في مشاهد التعذيب والانبعاث، التي تتجاوز بعدها الواقعي لتشير إلى معانٍ أوسع تتعلق بالتحول والاستمرار.
في المجمل، تقدّم “المذبح الأخير” رؤية نقدية لبنية العنف في المجتمعات المأزومة، وتكشف عن علاقته الوثيقة بالسلطة والذاكرة. وهو عمل يتجاوز حدود الحكاية ليصبح نصًا فكريًا يستحق النشر والاهتمام، لما يحمله من جرأة في الطرح وعمق في المعالجة، تجعله إضافة مهمة إلى الأدب العربي المعاصر.

















